السبت 08 / أغسطس / 2026
من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية

د. عصام مصيلحي يكتب: يا معالي الوزير.. هكذا يكون التطوير 

د. عصام مصيلحي يكتب: يا معالي الوزير.. هكذا يكون التطوير 
د.عصام مصيلحي

لم يعد تطوير الإعلام المصري رفاهية، ولا يمكن اختزاله في تغيير الوجوه أو تحديث الاستوديوهات أو إطلاق برامج جديدة.


العالم الإعلامي تغير جذريًا؛ الهاتف أصبح شاشة، ومنصات التواصل أصبحت غرف أخبار، والذكاء الاصطناعي دخل صناعة المحتوى، والجمهور لم يعد متلقيًا ينتظر الخبر، بل يبحث ويقارن ويتحقق وينشر.


لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نُحسّن الإعلام؟ وإنما: كيف نعيد بناء المنظومة الإعلامية المصرية لتصبح أكثر تأثيرًا وقدرة على المنافسة وصناعة الوعي؟


التطوير يجب أن يبدأ من إعادة الهيكلة، من خلال مراجعة القنوات والإذاعات والبرامج وفق معايير واضحة: الجمهور، والتكلفة، والإيرادات، والتأثير، وجودة المحتوى، وليس الهدف إغلاق المؤسسات، وإنما إعادة توظيف الموارد ودمج المتشابه منها في شبكات أكثر تخصصًا وقوة، مع تقليل البيروقراطية وإفساح المجال أمام الكفاءات.


وفي القلب يأتي ماسبيرو، بما يمتلكه من خبرات وأرشيف يمثل ذاكرة مصر الإعلامية.


المطلوب رقمنة هذا الأرشيف وفهرسته وإعادة استثماره في الوثائقيات والمحتوى الثقافي والتاريخي، وإعادة توظيف الإمكانات الفنية والبشرية وفق نموذج إداري واقتصادي حديث.


أما التحول الرقمي، فلا ينبغي أن يعني نقل البرامج التلفزيونية إلى الإنترنت، وإنما إنتاج محتوى رقمي من البداية.


ونحتاج إلى منصة إعلامية وطنية موحدة تضم الأخبار والبث المباشر والبرامج الأصلية والوثائقيات والبودكاست والفيديوهات القصيرة والمحتوى الشبابي والثقافي، وتستفيد من الإعلانات الرقمية وحقوق المحتوى والإنتاج المشترك.


كما نحتاج إلى غرفة أخبار رقمية تعمل على مدار الساعة، تضم الصحفي والمحرر وخبير البيانات ومتخصص التحقق الرقمي، بحيث تصبح المعادلة: رصد، تحقق، تحليل، نشر، متابعة. فالشائعة لا تنتظر موعد النشرة، والفراغ المعلوماتي يملؤه الآخرون.


ويجب أن يدخل الذكاء الاصطناعي إلى غرف التحرير بوصفه أداة مساعدة في الرصد، والتفريغ، والترجمة، وتحليل البيانات، وإنتاج المحتوى، مع بقاء المسؤولية المهنية والتحريرية بيد الإنسان.


أما المحتوى، فقد حان الوقت للانتقال من إعلام يتحدث كثيرًا إلى إعلام يشرح. نحتاج إلى التحقيقات والوثائقيات وإعلام البيانات والتقارير الميدانية والحوارات المتخصصة، لا ساعات طويلة من النقاش المتكرر.


والشباب ليسوا جمهورًا صعبًا؛ لقد وجدوا منصات أخرى أكثر سرعة وتنوعًا. المطلوب محتوى قصير دون تسطيح، سريع دون تسرع، بسيط دون ابتذال، وجاد دون ملل.

ويبقى الإنسان هو أساس التطوير.


نحتاج إلى تدريب مستمر في التحقق الرقمي، والتصوير، والمونتاج، وتحليل البيانات، والمنصات، والذكاء الاصطناعي، مع الجمع بين خبرة الأجيال السابقة وقدرات الشباب التقنية.


لكن كل ذلك لن ينجح دون استعادة ثقة الجمهور؛ بالدقة والشفافية وسرعة التصحيح واحترام عقل المواطن والتمييز بين الخبر والرأي.


والرؤية تحتاج إلى تنفيذ: أول 100 يوم للتقييم الشامل وحصر الأصول والأرشيف والتكاليف وتحديد مواطن الهدر وإنشاء غرفة الرصد الرقمي؛ العام الأول لبدء إعادة الهيكلة ورقمنة الأرشيف وإطلاق المنصة وتدريب الكوادر؛ ثم بناء منظومة إعلامية متعددة المنصات خلال ثلاث سنوات، وصولًا إلى إعلام مصري أكثر قدرة على المنافسة عربيًا ودوليًا.


الإعلام المصري يمتلك التاريخ والخبرة والأرشيف والكفاءات، وما يحتاجه هو قرار يجمع هذه الثروة في منظومة حديثة.


التطوير الحقيقي ليس تغيير ما يظهر أمام الكاميرا، بل إعادة بناء ما يقف خلفها.


من إعلام ينتظر الجمهور إلى إعلام يبحث عنه، ومن إعلام يكرر المعلومة إلى إعلام يشرحها، ومن إعلام يعتمد على الشاشة إلى إعلام يعيش على كل الشاشات.


يا وزير الإعلام .. قطار التكنولوجيا لا ينتظر أحدًا، والسؤال لم يعد: متى نبدأ؟ وإنما: كيف نسابق الزمن لنحجز مقعدنا في صدارة المستقبل.


موضوعات ذات صلة