الأربعاء 29 / أبريل / 2026
من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية

عماد الدوماني يكتب: زلزال في أسواق الطاقة .. انسحاب الإمارات من أوبك

عماد الدوماني يكتب: زلزال في أسواق الطاقة .. انسحاب الإمارات من أوبك
عماد الدوماني

في خطوة توصف بأنها قنبلة اقتصادية وصدمة جيوسياسية كبرى، أعلنت دولة الإمارات انسحابها الرسمي من منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك وتحالف أوبك بلس اعتبارا من مطلع مايو 2026.

هذا القرار ليس مجرد خروج تنظيمي، بل هو تحول استراتيجي شامل ينهي عقودا من الالتزام بحصص الإنتاج ليبدأ عصر السيادة الإنتاجية الكاملة، واضعا الأسواق العالمية في حالة استنفار قصوى.


ما هي أوبك؟ ولماذا صدم العالم لخروج الإمارات؟

تأسست منظمة أوبك عام 1960 لتكون الضابط لإيقاع العالم النفطي، حيث تسيطر على نحو 80% من احتياطيات النفط المؤكدة عالميا. وتكمن أهميتها في قدرتها على التحكم في الأسعار من خلال رفع أو خفض الإنتاج. أما تحالف أوبك بلس، الذي يضم روسيا، فقد كان صمام الأمان الذي منع انهيار الأسواق خلال الأزمات الكبرى.

خروج الإمارات اليوم سيكون شرخا في جدار هذا الكيان. تاريخيا، شهدت المنظمة انسحابات لدول مثل قطر 2019، والإكوادور 2020، وأنغولا 2024، لكن أيا من هذه الدول لم تكن بوزن الإمارات الاقتصادي أو بقدرتها الإنتاجية التي تقترب من 5 ملايين برميل. إن خروج ثالث أكبر منتج في أوبك يعني ببساطة أن المنظمة فقدت أحد أهم أعمدتها، مما يضعف قدرتها المستقبلية على فرض الأسعار عالميا.


المشهد النفطي: قراءة في الأرقام (2024 - 2026)

بالنظر إلى بيانات السنوات الثلاث، نجد أن الإمارات كانت تحركت بخطى ثابتة نحو هذا الاستقلال:

• في عام 2024: التزمت الدولة بإنتاج يقارب 3 ملايين برميل يوميا، رغم أن قدرتها كانت تتجاوز 4.5 مليون.

• بحلول عام 2025: ومع استثمارات أدنوك المليارية، وصلت القدرة لـ 4.8 مليون برميل.

• اليوم في 2026: تتحرر الإمارات لتستهدف فورا ضخ 3.5 إلى 4 ملايين برميل، مع خطة لبلوغ 5 ملايين بحلول 2027، وهي كمية كفيلة بتغيير موازين القوى السوقية تماما.


زلزال الأسعار والعقود المستقبلية

أحدث الإعلان صدمة في العقود المستقبلية؛ فبعد استقرار برنت عند 82 دولار في 2024 وارتفاعه لـ 95 دولار في 2025، تشير التوقعات الآن إلى سيناريوهين:

1- المدى القصير: قفزة تتجاوز 110 دولارات نتيجة علاوة المخاطر والقلق من رد فعل المنتجين الآخرين.

2- المدى المتوسط: ضغوط متوقعة قد تعيد الأسعار لمستوى 75 إلى 80 دولارا مع تدفق المعروض الإماراتي المستقل.


الأثر على المواطن العربي

الانسحاب ليس مجرد أرقام في شاشات البورصة، بل سيمس حياة المواطن العادي:

• المواطن الإماراتي: سيجني ثمار زيادة العوائد السيادية من خلال تحسن الخدمات، وتسريع مشاريع رؤية 2031، وتوفير فرص عمل جديدة في قطاعات الهيدروجين والذكاء الاصطناعي.

• المواطن العربي في الدول المستوردة للنفط: قد يستفيد من المدى المتوسط إذا أدى الانسحاب لزيادة المعروض العالمي وانخفاض الأسعار، مما يقلل من فواتير الوقود وتكلفة النقل، وبالتالي كبح جماح التضخم في أسعار السلع الغذائية.

• المواطن العربي في الدول النفطية: قد يشعر بالقلق من احتمالية نشوب صراع حصص سوقية تؤدي لتراجع إيرادات دولهم إذا انهارت أسعار النفط بشكل حاد.


الاقتصاد الإماراتي والتجارة الخارجية

داخليا، يعد القرار المحرك النفاث للاقتصاد؛ فتدفقات السيولة الضخمة التي كانت مجمدة خلف قيود الحصص ستضخ في البنية التحتية المتطورة. أما خارجيا، فستتمتع الإمارات بالمرونة الكاملة لتوقيع اتفاقيات توريد ثنائية مع العمالقة مثل الصين والهند واليابان بعيدا عن القرارات الجماعية، مما يجعلها المورد الأكثر موثوقية واستقلالية في المنطقة. انسحاب الإمارات هو رهان القوة. الدولة لم تعد تقبل بأن تظل قدراتها الهائلة رهينة لقرارات لا تراعي طموحها المتسارع. نحن أمام واقع جديد: الإمارات الآن هي من يحدد وتيرة نموها، وهي من يملك مفتاح استقرار إمدادات الطاقة العالمية للمستقبل بالنفط الأقل تكلفة، والأعلى نقاء، والأقل كربونا في العالم.

موضوعات ذات صلة