الأربعاء 25 / مارس / 2026
من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية

محمد عبد الجواد يكتب: الحرب على إيران ..  معركة اقتصادية بصبغة دينية !!

محمد عبد الجواد يكتب: الحرب على إيران ..  معركة اقتصادية بصبغة دينية !!
بقلم / محمد عبد الجواد

الحرب قبلة حياة للإقتصاد الأمريكي .. نعم لقد قرأت الجملة بشكل صحيح وسليم رغم أنها تتنافى مع العقل والمنطق لأنه من المعروف أن الحروب تظهر آثارها وتداعياتها بسرعة كبيرة على الاقتصاد لكن الحقيقة عكس ذلك تماما. 


فالولايات المتحدة تسعى من خلال هذه الحرب لتحقيق عدة أهداف معظمها يرفع قرون استشعار اقتصادية وأول هذه الأهداف هو إضعاف الاقتصادات المنافسة في الصين والهند وروسيا ودول أوروبا خاصة بعد اللطمة التي وجهتها محكمة أمريكية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قراره الخاص برفع الرسوم الجمركية على الواردات من الخارج وهو الأمر  الذي هز صورته كثيرا داخل وخارج الولايات وبالتالي فالحرب على إيران تحقق له عدة أهداف أولها إضعاف الاقتصاد العالمي وإدخاله في حالة ركود على غرار ما حدث في الأزمة المالية العالمية عام 2008 وهي أزمة الرهن العقاري وهي أزمة (( صناعة أمريكية)) ورغم تضرر العالم أجمع منها وإفلاس عدة بنوك أمريكية كبيرة بسببها إلا أن تأثيرها على الاقتصاد الأمريكي لم يكن بنفس القدر السلبي الذي عانت منه دول العالم الصغيرة والكبيرة على حد سواء فما بالكم بالدول ذات الاقتصاد الهش وهي غالبية الدول النامية في أفريقيا وآسيا ودول أمريكا اللاتينية.


الهدف الثاني: انقاذ الاقتصاد الامريكي الذي يعاني مر المعاناة بسبب القرارات الكارثية لإدارة دونالد ترامب وخاصة خلال فترة الحرب على غزة التي استنزفت الاقتصاد الأمريكي لتوفير دعم غير محدود لإسرائيل وما أعقب ذلك من حرب الاتني عشر يوما خلال العام قبل الماضي خاصة وأن الدين الأمريكي تجاوز حاليا 34 تريليون دولار وهو أكبر دين لدولة على مستوى العالم ولكن أمريكا تعتمد في تخفيف بعض مشاكلها الاقتصادية على الخدعة الكبيرة التي خدعت العالم بها وهي طباعة الدولار بدون غطاء من الذهب ما يتيح لها طباعة كميات كبيرة من الدولار .


الهدف الثالث : ابتزاز جديد لدول الخليج بحجة القضاء على الفك المفترس الذي ينتظرهم على الشاطئ الآخر من الخليج العربي ويتهيأ للانقضاض عليهم والتهامهم في أي لحظة ولذلك قامت بالهجوم على إيران من أراضي الدول الخليجية حتى تقوم إيران بالهجوم عليهم وبالتالي تكريس الصورة الذهنية التي رسمتها الإدارة الأمريكية لدي مواطني وحكام دول الخليج بشأن الأطماع الإيرانية في بلدانهم ورغم أن ترامب استولى على تريليونات الدولارات من دول الخليج سواء تحت بند الهدايا أو الحماية أو الاستثمار في أمريكا إلا أنه لم يقنع بما حصل عليه ويرى ان دول الخليج مجموعة من الأبقار السمينة التي تتغذى على النفط والغاز ويجب حلبها في أمريكا لتحريم خيراتها  على مواطنيها وأمتها العربية.


وبخلاف الاقتصاد هناك مجموعة من الأهداف السياسية للحرب الدائرة الآن أولها تدمير القوة العسكرية الإيرانية لإضعاف الدولة الفارسية لأنها تمثل أكبر الأخطار على وجود دولة الكيان الصهيوني المحتل بعد الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها حماس بعد السابع من أكتوبر  2023 وكذلك الحال بالنسبة لحزب الله الذي تم تدميره مؤسسيا على مستوى القيادات العليا وكذلك البنية التحية من ناحية التسليح والقوة المالية والاقتصادية خلال الاعتداءات المستمرة على لبنان ومناطق سيطرة حزب الله في الجنوب وفي الضاحية الجنوبية وصيدا وصور  وكل هذا التخريب المتعمد من أجل توفير أكبر  قدر من الأمن لإسرائيل من إقامة مشروعها العنصري التوسعي القائم على التهام أراضي الغير لإقامة إسرائيل الكبرى المزعومة من النيل إلى الفرات حسب معتقداتهم التوراتية المشوهة.


ومن أجل تحقيق هذا الهدف الخبيث خرجت تصريحات بعض القادة منهم ترامب نفسه الذي كان يمني النفس بتغيير النظام الإيراني ولكنه بتصفية قادة الصف الأول في النظام ومعظمهم كان من الحمائم وجد نفسه الآن في ورطة كبيرة لأنه سيتفاوض مع الصقور الشرسة وفي اعتقادي أنه نادم أشد الندم على هذا القرار .


ثم خرج وزير الحرب الأمريكي هيجيست بتصريح أقل ما يوصف به أنه غباء سياسي حينما قال أن الحرب على إيران حرب دينية ليفضح نوايا أمريكا وإسرائيل تجاه منطقة الشرق الأوسط بالكامل ويوضح إلى أي مدى تستلسم واشنطن لإرادة اليمين المتطرف في تل أبيب.


وعموما الحرب بدأت وحدث ما حدث لكن لا أحد يعرف متى تنتهي لأن الحروب يُعرف دائما من يشعلها لكن لا يُعرف مَن وكيف ومتى تنتهي فالحرب بدأت بأهداف مفتوحة منها تدمير قدرات إيران في محاولة لإسقاط النظام مع سعي لإسقاط الدولة وتفتيتها.


لكن بات واضحا للعيان أن هناك اختلافا كبيرا  في الحسابات والأولويات بين واشنطن وتل أبيب فواشنطن تسعى لرضوخ وتركيع النظام الإيراني عبر تغيير القيادت وبالتالي سياسة النظام لكن أولوية تل أبيب هي استمرار الحرب حتى إسقاط النظام ورفض التوصّل إلى اتفاق وتفتيت إيران إلى دويلات طائفية عرقية متحاربة يسهل السيطرة عليها وإدارتها من واشنطن وتل أبيب لتحقيق طموحات إقامة إسرائيل الكُبرى والهيمنة على الشرق الأوسط.


 ورغم قوة الضربات على إيران تبين أن إسرائيل لا تستطيع أن تخوض حرباً وتنتصر فيها حتى لو كانت بدعم من الولايات المتحدة فإسرائيل رغم ترسانتها العسكرية الفتاكة التي تخوض حروبا بلا شرف عسكري أو أخلاق أو مراعاة للقوانين الدولية ولا يمكنها الانتصار على دولة لديها سلاح حتى لو كانت أضعف منها عسكريا مادام لديها عقيدة وهو ما حدث مع إيران التي تمتلك جيشا نظاميا ونظام صاروخي متطور قض مضاجع الإسرائيليبن وأدخلهم مجبرين ومذعورين هم وقادتهم إلى الملاجئ هربا من الموت الذي يخطف الأرواح على الأرض المفتوحة تحت قوة الضربات الصاروخية المؤثرة . 


في النهاية هذه الحرب أمامها 6 سيناريوهات للوصول إلى كلمة النهاية.

 الأول:  استمرارها بالوتيرة الحالية ضمن نمط حروب الاستنزاف مع دخول أطراف جديدة واستهداف البنية التحتية ومصادر الطاقة والممرات البحرية من مضيق هرمز إلى باب المندب الذي قد يدخل الحرب إذا تدخل الحوثيون وقد يشمل تنفيذ عمليات برية للسيطرة على مواقع استراتيجية أو مخزون اليورانيوم المخصّب واستخدام أسلحة دمار شامل منها قنابل نووية تكتيكية.


 الثاني:  بقاء النظام الإيراني دون رضوخ لشروط أمريكا سيعد نوعاً من الانتصار  لأنّ نتائج الحروب تُقاس بمدى تحقق أهداف من بدأها لذا ستسعى إدارة ترامب المتخبطة إلى تحقيق نصر ملموس يبرّر وقف الحرب لأن ترامب يخشى من الهزيمة وفي نفس الوقت مرعوب من عدم النصر لأن ذلك سيؤثر على  فرص حزبه في الفوز بالانتخابات النصفية المقبلة لذا سيسعى جاهداً إلى الحصول على نصر ولو مزيف لأنه لو خسر الحزب الجمهوري الانتخابات في مجلسَي النواب والشيوخ ستدخل إدارته مرحلة الموت السريري وقد تنجح محاولات عزله قبل نهاية مدّته الرئاسية ويخرج من أصيق أبواب التاريخ غير مأسوفا عليه كقائد نرجسي كذّاب وفاشل ومهزوم رغم امتلاك بلاده أقوى جيوش الأرص .


وكما هو معروف في الاستراتيجيات العسكرية العقيدة تنتصر دائما على التفوّق العسكري فإيران تتسلح في هذه الحرب بالعقيدة قبل السلاح بينما يخوض ترامب الحرب بنعرة برجماتية ودائما المدافع يحظى بمزايا لا يتمتّع بها المهاجم والمعتدي وقدرة المدافع على التحمّل أكبر فمن يدافع عن نفسه لديه دوافع أعمق وأكثر من مهاجم يريد زيادة نفوذه ومصالحه والمدافع يخوض حربا وجودية للدفاع عن نفسه ومستعد لدفع ثمن باهظ لحماية شعبه وأرضه مهما كانت التكلفة انطلاقا من عقيدة دينية راسخة بعيدا حسابات المكسب والخسارة التي يخوض المعتدي الحرب تحت رايتها.


الثالث: وقف الحرب يعد الخيار الأقلّ تكلفة والأكثر عقلانية لكن فرصه تحقيقه محدودة بسبب الحسابات البرجماتية للسمسار ترامب.


الرابع : يظل سيناريو التصعيد قائماً لكنّه محكوم بسقف الكلفة الباهظة لأن التدخّل البرّي قد يؤدّي إلى خسائر بشرية كبيرة للقوات الأميركية دون تحقيق أهدافه ما قد ينذر بالسقوط في مستنقع شبيه بالحرب في فيتنام والعراق وأفغانستان.


الخامس : يُعدّ استخدام أسلحة الدمار الشامل السيناريو الأضعف احتمالاً لما ينطوي عليه من مخاطر كارثية تتمثّل في تجاوز الخطوط الحمراء وسابقة قابلة للتكرار في أوكرانيا وغيرها من المناطق وبالتالي يدفع نحو مواجهة دولية شاملة لكن لا يمكن استبعاده كلياً في ظلّ تلاقي تيارات دينية أيديولوجية متطرّفة  في الولايات المتحدة وإسرائيل ترى أن هذه الحرب معركةً مصيريةً تتجاوز الحسابات والمصالح اعتمادا على تصوّرات وأهداف عقائدية دينية.


السادس : موقف الدول العربية والخليجية على وجه الخصوص قد يكون عنصرا مؤثرا لأنها وجدت نفسها تحت جحيم حرب ليست حربها ولم تدخلها بشكل واضح حتى الآن رغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية، رغم انها تعرّضت لهجمات عنيفة طالت بنيتها التحتية ومحطات طاقة وقواعد عسكرية وأهدافاً مدنية منها المطارات والفنادق والمطلوب منها الآن موقف واضح على مستوى اللحظة التاريخية برفض استهداف البنية التحتية والنفطية والمدنية في إيران دول الخليج، وعدم الانخراط في الحرب ورفض استخدام القواعد العسكرية الموجودة على أراضيها في الهجوم على إيران لتجنب نفسها مخاطر الوقوع في مرمى نيران الصواريخ والمسيرات الإيرانية مع الدفع نحو علاقات إقليمية قائمة على الحوار وحسن الجوار، بعيداً عن الهيمنة والأطماع. 


وختاما يبقى الدرس المستفاد من هذه الحرب العبثية هو أن الأمن لا يتحقّق بالاستقواء بالخارج والقواعد العسكرية، لأنها لم توفّر لهم الحماية وأصبحت عبئاً ومصدراً للخطر وسبباً للاستهداف والخراب.

موضوعات ذات صلة